جمال الدين بن نباتة المصري
232
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
قال الكندىّ : ما صنعت شيئا ! قال : كيف ؟ قال : ما زدت على أن نبّهت ابن أمير المؤمنين بصعاليك العرب ! وأيضا إنّ شعراء دهرنا تجاوزوا بالممدوح من كان قبله ، ألا ترى إلى قول العكوّك في أبى دلف ، حيث قال : رجل أبرّ على شجاعة عامر * بأسا وغبّر في محيّا حاتم فأطرق أبو تمّام ، ثم أنشد : لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلا شرودا في النّدى والباس فاللّه قد ضرب الأقلّ لنوره * مثلا من المشكاة والنّبراس ولم يكن هذا في القصيدة ، فتعجّب منه [ ومن بديهته ] « 1 » ، ثم طلب أن أن تكون الجائزة ولاية عمل ، فاستصغر عن ذلك ، فقال الكندىّ : ولّوه ، فإنّه قصير العمر ، لأنّ ذهنه ينحت من قلبه ؛ فكان كما قال ، ولعلّ الكندىّ رأى من سجيّة أبى تمام في ذلك الوقت ما يدلّ على قرب أجله . وسمع الكندىّ إنسانا ينشد ، ويقول : وفي أربع منّى حلت منك أربع * فما أنا أدرى أيّها هاج لي كربى خيالك في عيني ، أم الذّكر في فمي * أم النّطق في سمعي ، أم الحبّ في قلبي فقال : واللّه لقد قسّمها تقسيما فلسفيّا . وقال يوما لجارية كان يهواها : إنّى أرى فرط الاعتياضات ، من المتوقّعات ، على طالبى المودّات ، مؤذنات بعدم المعقولات ؛ فنظرت إليه - وكان ذا لحية طويلة - فقالت : إنّ اللّحى المسترخيات ، على صدور أهل الرّكاكات ، محتاجات إلى المواسى الحالقات .
--> ( 1 ) من ت .